ابن الجوزي
125
صفة الصفوة
قال الربيع : فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق . وعن شقيق بن إبراهيم البلخي قال : خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائتين فنزلت القادسية فبينا أنا انظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السّمرة يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان وقد جلس منفردا فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصّوفية يريد أن يكون كلّا على الناس في طريقهم ، واللّه لأمضينّ إليه ولأوبخنّه . فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال : يا شقيق اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [ سورة الحجرات آية : 12 ] ثم تركني ومضى . فقلت في نفسي : إن هذا لأمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي وما هذا إلا عبد صالح لألحقنّه ولأسألنه أن يحالّني . فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة « 1 » إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه وأستحلّه فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه . فلما رآني مقبلا قال : يا شقيق أتل : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ سورة طه آية : 82 ] ثم تركني ومضى . فقلت : إن هذا الفتى لمن الأبدال وقد تكلم على سري مرّتين فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا انظر إليه فرئيت قد رمق السماء وسمعته يقول : أنت ربّي إذا ظمئت من الما * ء وقوتي إذا أردت الطّعاما اللهم سيدي مالي سواها فلا تعدمنيها . قال شقيق : فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء وتوضأ وصلّى أربع ركعات . ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب . فأقبلت إليه وسلمت عليه فردّ عليّ السلام . فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم اللّه به عليك . فقال : يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك . ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا سويق وسكّر فو اللّه ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب ريحا منه . فشبعت ورويت فأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ، ثم لم أره حتى دخلنا
--> ( 1 ) مكان قرب المدينة فيه ماء لبني كليب .